أحمد بن يحيى العمري
49
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
إلى الغرب من السؤدد إلا ما فضل عن الشرق ؟ أو لبس إلا ما أعاره من الخليع « 1 » المبتذل ، لما دخل عبد الرحمن الداخل « 2 » ، من بني مروان إلى جزيرة الأندلس ، واجتمع إليه من شذاذ ( ص 8 ) القوم من نفضتهم مزاود المشارق ، ولفظتهم أسرّة الملك ، فحينئذ صار الناس بالغرب ناسا ، وإلا فقد كانوا كالبهم السائمة ، فمن ذلك الوقت تكلموا باللغة العربية ، وامتازوا بالنطق على « 3 » الحيوان ، وكان ما أخلقه الشرق لهم جديدا .
--> ( 1 ) الخليع بوزن فعيل أي المخلوع . ( 2 ) هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان ، مؤسس الدولة الأموية في الأندلس ، صفر قريش ، أحد الأعلام ولد سنة ( 113 ه ) ومات أبوه وهو صغير ، ولما ظهرت الدولة العباسية ، وقتل من بني أمية كثيرون ، وتتبعوا بني أمية في كل مكان - استطاع عبد الرحمن أن يفر مع مولاه بدر إلى فلسطين ، ثم الفرات فقطعه سباحة ولم يستطع أخواه الأصغران قطع الفرات وخدعا بأمان الجند العباسي اللاحقين بهم ، فعادا إليهم فقتلاهما على مرأى من عبد الرحمن على الجانب الآخر من نهر الفرات ، وتوارى في الغياض حتى انقطع الطلب عنه ، ثم قصد المغرب . . . . ونزل ( نفزاوة ) قوم من البربر أم عبد الرحمن منهم ، وكاتب من أفريقيا بعض الأمويين في الأندلس ، فأرسلوا إليه مركبا فيه بعض وجهائهم ، وأبلغوه طاعتهم وولاء من خلفهم له ، وعادوا به إلى الأندلس سنة ( 138 ه ) ، وانضم إليه كثيرون ، وانتقل إلى إشبيلية ، ثم إلى قرطبة فقاتله وإليها لبني العباس يوسف بن عبد الرحمن الفهري ، وانتصر عليه عبد الرحمن الداخل ، وولي عبد الرحمن الداخل الأندلس واستقر في قرطبة ، وبنى فيها قصره وبنى فيها مساجد الجماعات ، ووافاه جماعته من أهل بيته من الشام ، وكان يدعو للمنصور العباسي أولا ، ولما اطمأن إليه أهل الأندلس ، وقوي أمره قطع الخطبة لبني العباس ، وأعلن إمارته المستقلة ، كان شجاعا مقداما شاعرا كريما ، يشبه بأبي جعفر المنصور في حزمه وشدته ، وحسن ولايته ، توفي في قرطبة سنة ( 172 ه ) وبقيت الخلافة في عقبه إلى سنة ( 400 ه ) انظر الكامل في التاريخ 5 / 493 - 496 ، وسير أعلام النبلاء 8 / 244 - 253 ونفح الطيب 1 / 327 وما بعدها . ( 3 ) في الأصل بعد ( على ) إضافة ( كثير ) بخط مغاير .